المجتمع المسلم في إثيوبيا
وجود المسلمين في إثيوبيا الحالية وجود قديم سبق تأسيس هذه الدولة السياسية القطرية المعاصرة. وتكونت نواة
المجتمع المسلم الأول في إثيوبيا قبل هجرة المسلمين إلى المدنية المنورة، ثم شرع الإسلام ينتشر في أدغال إثيوبيا على فترات زمنية متتالية حتى أصبح الدين الغالب، ولكن سرعان ما أثار هذا الانتشار حفيظة المسيحيين وأدى إلى صراع
عقدي/سياسي امتد لأكثر من ستة قرون بين المسلمين والمسيحيين بدءً ا من الإمارات الإسلامية الممتدة من الزيلع
وانتهاء بحركة أحمد بن إبراهيم (جرين) في هرر، والممالك المسيحية الإثيوبية والتي انتهت بهزيمة المسلمين1887
بتدخل دولي ممثل في دولة البرتغال والكنيسة الكاثوليكية العالمية وظهور الاستعمار الأوروبي وهيمنته على القرن
الإفريقي.
ينتشر المسلمون في إثيوبيا في معظم الأقاليم الجغرافية وبين معظم المجموعات العرقية، ويتمركزون بدرجة كبيرة
في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية والغربية الشمالية، ويتكونون من جماعات إثنية متعددة أبرزها الأورومو
والصوماليون، والسيدامو ومجموعات من الأمهرا والتقراى، حيث إن الأورومو الذين يقاربون نصف سكان إثيوبيا
غالبيتهم مسلمون، إذ يقارب الـ80% مسلمين؛ كما أصبحت أعداد المسلمين بين الأمهرا والتقراى تتجاوز الـ15%
أي ما يقارب الثلاثة ملايين.
ويوضح الجدول التالي توزيع المسلمين عبر المجموعات الأثنية في إثيوبيا
| الجماعات الإثنية | النسبة المئوية من عدد السكان | نسبه المسلمين | نسبة المسيحيين | أخرى |
|---|---|---|---|---|
| الأورومو | %40-%50 | %80 | %10 | %10 |
| الأمهرا والتقراي | %32 | %15 | %35-%50 | |
| السيدامو | %9 | %100 | ||
| السانكيلا | %6 | %100 |
الوجود السياسي للمسلمين في إثيوبيا
يتمحور الوضع السياس ي للمسلمين في إثيوبيا في مراحل أربع: المرحلة الأولى، الملكية المطلقة والتي امتدت لقرون
وانتهت بوفاة الملك هيلاسلاس ي1974م وغاب فيها دور المسلمين تماما. المرحلة الثانية، وصول النظام الشيوعي
بقيادة منقستو ازداد خلالها وضع المسلمين سوءا. المرحلة الثالثة، مرحلة التعددية الديمقراطية وهي التي بدأت مع
سقوط نظام منقستو عام1991. المرحلة الرابعة، مرحلة ما بعد ملس زيناوي والانفتاح السياس ي الديني.
ويمكن القول إن وضع المسلمين السياس ي في إثيوبيا بدأ فيالتحسن منذ عام1991م مع سقوط نظام منقستو.
وتعديل الدستور في عام1995م والذي أكد علي ضرورة فصل الدين عن الدولة، ونص علي أن لا يكون هنالك دين
للدولة، كما أشار في إحدى مواده بأن لا تتدخل الدولة في الشئون الدينية، ولا يتدخل الدين في شئون الدولة،
ويعتبر ذلك أمرا حسنا ً في وضع اعتبار للمجموعة المسلمة في إثيوبيا وتصحيحا ً للأوضاع السابقة التي كانت تعتبر
المسيحية الدين الرسمي للدولة، فقد قللت من نفوذ الكنيسة، وأتاحت المجال لحرية العبادة للمسلمين والمسيحيين
علي السواء5،ثممع عهد الرئيس ملس زيناوي والذي امتد إلى عام2006م. سمحت السلطات للمسلمين التعامل
بقوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية وفي محاكم خاصة في ما يتعلق بالأحوال الشخصية والأسرية. وسمحتبتأسيس مدارس المسلمين تدرس الدين الإسلامي واللغة العربية، وأعلنت السلطات الحالية (PMAC) بأن كل
الأديان متساوية، كما أصحبت عطلة المسلمين عطلة رسمية للدولة 6.
كماسمحت حكومة زيناوي لأول مرة للمسلمين المشاركة بشكل طبيعي في العمل الحكومي وضمت حكومته12وزيرا
مسلما، فقلت الفروق بينهم وبين نظرائهم المسيحيين، بل ونشط دور المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميةالذي تولى
شؤون التعليم ونشر الإسلام وبناء المساجد، وقد استفادوا كثيرا ً من الانفتاح الديمقراطي. استنادا على الدستور
الإثيوبي الجديد والذي أمّ ن على النهج الديمقراطي لحكم الدولة7. ومثّل الدستور الجديد تغييرا كبيرا وجوهريا في
بنية الدولة الإثيوبية حيث تم فيهإقرار واعتماد النظام الفيدرالي وتم تقسيم إثيوبيا إلى تسع أقاليم وتسع قوميات.
واعتمدت سبع أقليات استخدام لغاتها في التعليم الأساسي.
ولأهمية التعليم في وصول أبناء المسلمين إلى مناصب بالدولة. يلاحظ أنه في فترة ما قبل إقرار الفيدرالية وتحول
إثيوبيا إلى دولة علمانية كان هناك امتناع من أبناء المسلمين إلى الالتحاق في المدارس الحكومية والرسمية لغياب
اللغة العربية والمناهج الإسلامية. وهذا أثّر في فرصهم للحصول على مناصب ووظائف حكومية بالدولة. وانشغل
معظمهم بالتجارة والرعي والزراعة ونحوها. ولذا كان تأثير المسلمين ضعيفا في الميدان والقرار السياس ي برغم العدد
الكبير.
ثم مع وصول آبي أحمد إلى الحكم. برز خطاب التصالح مع المسلمين بشكل واضح. وساهمت حكومة آبي أحمد في
دعم تشكيل المجلس الأعلى للمسلمين والاعتراف بشرعيته بعد ستين عاما من المطالبة بذلك، وأعلن عن المجلس
في مايو آيار2019م واختير المفتي الشيخ حاج عمر إدريس رئيسا للمجلس، إضافة إلى افتتاح أول كلية إسلامية.
موقع المسلمين في إثيوبيا من الأزمة الأخيرة
أولا،بما أن الأزمة الأخيرة تركزت على إقليم تقراي الذي تمرد على الدولة المركزية وفق زعم الحكومة. فإن نسبة
المسلمين في إقليم تقراي تعد الأقل ضمن الأقاليم الأربعة التي بها مسلمون، حيث إن إقليم صوماليا97% من سكانه مسلمون،5مليون نسمة تقريبا، ثم يليه إقليم عفر99%من سكانه مسلمون، قرابة مليون ونصف نسمة، ثم
إقليم امهرا18% من سكانه مسلمون، ثم إقليم تقراي5% فقط من سكانه مسلمون، ويتوزعون في مناطق متفرقة
وليس لهم نقطة ارتكاز محددة.
ثانيا، بما أن الأزمة ليست بين إقليم مسلم في غالب سكانه. وليس للدين علاقة بها. وإنماهي أزمة نفوذ بين قوميتين
التقراي والأمهرا واللتين تناوبتا على حكم إثيوبيا. حيث إن التقراي كانت تسيطر على الدولة من خلال الحكومة
المركزية منذ عهد ملس زيناوي والذي ينتمي إلى هذه القومية ثم مع وصول آبي أحمد إلى الحكم عاد الأمهرا مرة أخرى
بتحالف مع الأورمو، وبدأ آبي أحمد باستهداف قيادات من التقراي بدعوى الفساد وانتهاك حقوق الإنسان، وهناك
نوع من الغبن موجود لدى بقية القوميات تجاه نفوذ التقراي في الدولة والحكومة وحصولهم على امتيازات على
حساب بقية القوميات خلال فترة حكمهم. مما جعل موقف تلك القوميات من الأزمة الأخيرة أقرب إلى الحياد السلبي
لصالح الحكومة أكثر من دعم التقراي.
ثالثا، غياب كتلة إسلامية موحدة سواء في شكل تيار أو حزب إسلامي كان سببا في خفوت صوت المسلمين سواء
بالتأثير الإيجابي من خلال إدارة حوار أو تفاوض أو طرح مبادرة حل سلمية للأزمة. خصوصا وأن المسلمين لايزالوا
في بداية الطريق نحو شرعنة وتقنين وضعهم ومؤسساتهم الدينية الرسمية وشبه الرسمية، بالرغم من حدوث
بعض الأزمات العنيفة بين بعض الأقاليم والمجموعات الإسلامية كما حدث في إقليم صوماليا عام2017م، وكما
حدث من قبل مجموعات الأورومو وتقيد حركة أحد قادتها جوهرمحمد وملاحقة آخرين.
رابعا، لعل دعم الأورومو لآبي أحمد للوصول إلى السلطة من خلال التحالف معه منح مسلمي الأورومو مزايا في
السلطة والدولة والحكومة برغم أن العلاقة قد توترت أخيرا. فإن ذلك ربما جعل من هذه المجموعة في موضع صراع
بين دعم الحكومة التي كانوا وراءنجاحها ووصولها إلى السلطة أو الانقلاب عليها ورفض سياساتها التي ربما تؤثر على
وحدة وتماسك الصف الداخلي. كما أن لغياب بعض قادة جبهة الأورمو ربما الأثر في عدم بروز صوت مسموع سلبا
أو إيجابا تجاه الأزمة الأخيرة.
التأثر والتأثير للمسلمين في الأزمة الأخيرة
يُتوقع أن يتأثر المسلمون في إثيوبيا بهذه الأزمة الأخيرة سلبا إن تطور الأمر إلى حدوث تمرد مسلح أو تحول الحرب
الحالية في إقليم تقراي إلى حرب عصابات واستنزاف للدولة والموارد وإُثارة القلاقل واستهداف المؤسسات الفدرالية
أو الجيش الوطني القومي خصوصا في ظل توفر ميلشيات مسلحة لدى أغلب القوميات الرئيسية. وربما يتطور الأمر
إلى إعلان حالة حرب أو طوارئ وتعطيل العمل بالدستور أو انقلاب عسكري. خصوصا وأن التقراي لهم نفوذ داخل
المؤسسة العسكرية. مما يعيد المسلمين إلى المربع الأول قبل الدستور الفدرالي عام1995م. ويتم إلغاء الانتخابات
أو تأجيله وهو سيناريو كان متوقعا في انتخابات2016ثم جرى إعادة الحديث حوله من قبل الحكومة الحالية
ويقال أن ذلك هو السبب الرئيس في اندلاع الأزمة الأخيرة مع التقراي، ولا يستبعد أن تستقيل حكومة آبي أحمد
تحت ضغوط داخلية وخارجية كما حدث مع حكومة ديسالين.
وأيضا سيكون هناك تأثير سلبي إن تمت معالجة بقية القضايا المتعلقة بالقوميات الأخرى بذات الطريقة والسياسة
كإقليم صوماليا أو العفر أو حتى جبهة الأورومو التي يغلب عليها المسلمون إلى حد كبير. فإن ذلك يعني أن سياسات
الحكومة الحالية تتبع نموذج الاستفراد بكل ذئب على حده واختيار التوقيت المناسب للقضاء عليه.
خصوصا وأن هناك اتهامات قديمة للحكومات السابقة أنها تحاول السيطرة على التيار الإسلامي والتحكم فيه من
خلال دعم جماعة الأحباش لاختراق التيار وقيادته. وأيضا من خلال فرض شخصيات تحمل توجهات الدولة في
تحجيم المجتمع الإسلامي من حيث الدور والتأثير. هذا إضافة إلى خطوات آبي أحمد في دعم أفراد ورموز من
الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية الأمريكية لتولي مناصب في إدارته.
كما يتوقع حدوث أثر إيجابي للمسلمين في إثيوبيا إن انتهت الأزمة الأخيرة إلى تدعيم مفهوم الفدرالية بشكل حقيقي
يساهمفي إعادة توزيع النفوذ بما يتناسب مع الأقاليم التسعة من حيث سكانها ومواردها وأثرها وإسهامها. خصوصا
إذا تمكن المسلمون من تفعيل المجلس الأعلى لشؤون المسلمين وتحويل المجلس إلى مؤسسة فاعلة في دعم وتطوير
وتأهيل المجتمع المسلم في إثيوبيا للقيام بواجباته ومسؤولياته والمساهمة مع الدولة ومنظمات المجتمع المدني
والمجموعات والتيارات والطرق الإسلامية الموجودة على الأرض.
كما يتوقع حدوث أثر إيجابي لهذه الأزمة الأخيرة إن نتج عنها تواضع القوميات والحكومة وإجراء انتخابات نزيهة
وتشكيل المسلمين لأحزاب إسلامية تتنافس في الانتخابات مما يمكّ ن للمسلمين في تحقيق تطلعاتهم وآمالهم دون
الحاجة إلى العمل تحت مظلات ومؤسسات وهويات غير إسلامية ودون الحاجة إلى منح وعطايا وهبات من الدولة
بل بحقوق دستورية خالصة ومزايا تمنح لكل مواطن دون النظر في قوميته ودينه.
ناشر المقالة المعهد المصري للدراسات
رابط المقال
